نخبة من الأكاديميين
867
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
التماساً لما يملأ العرصة من الأشكال . ولما كانت النتيجة تتهيأ بعدة من أصناف الأشكال كالمثلث والمربع والمسدس ، اختير المسدس من بينها لأنه يجتمع فيه - مع مشاركته لها استغراق العرصة واستيعابها - أنه أوسعها كلها ، وكان هذا الاختيار الذي قصد فيه لجمع المنافع على أكثر ما يمكن منها وأوقعه من أوضح دليل على حكمة المختار وتعهده الصلاح . وكان العدول عن المدور وعن سائر الأشكال التي هي أوسع من المسدس والمخمس يفصل ما بينها وبينه في السعة للضرورة إلى النتيجة الممتنعة في طبعه جميعاً . وهذا مصداق ما قاله أفلاطون من ( أن ) الأشياء متولدة فيما بين العناية والضرورة " . إن هذه الطريقة في النظر من خلال العلل الغائية ، وهي مستوحاة من " تيماوس " ، تظهر في العديد من الشهادات التي تقدمها كتابات ثابت بن قرة . لنأخذ مثلًا وجود الجبال ( انظر التوحيدي ) : فهي تحدث نوعاً من عدم الانتظام في شكل الأرض الذي يصبح أقل كمالًا من الكرة التامة ، ولكن الله سمح بعدم الانتظام هذا بالنظر إلى ما توفره الجبال من منافع تسمح بجريان الماء . أي أنه أفسد شكل الأرض بالحد الأدنى وبحيث تبقى أقرب ما تكون إلى الكرة مع تأمين تزويدنا بالماء العذب . وبذلك ، يعارض ثابت كل التفسيرات الآلية والمادية السائدة في عصره حول الجبال . فكما هو الشأن عند المتكلمين ، وعند الكندي ، يعتبر ثابت أن إلهاً مختاراً هو علة كمال العالم . ج ) أبو بكر الرازي هنالك تعبير آخر عن نموذج " الأصلح " جاء به الطبيب الكبير أبو بكر الرازي . فهو يرى أن نظرة سريعة إلى حال العالم لا بد وأن تقنعنا بأن إلها ذا إرادة وقادر يمكنه أن يكون علته . لأننا نرى الكثير من الشر والكثير من الفوضى أمام أعيننا . فنظرية الرازي حول المبادئ الخمسة ليست مجرد تكرار بصورة مبتكرة لأمر متفق عليه ، كمظهر من مظاهر " الأفلاطونية " ، بل هي بحث في موضوع الله : فهي تهدف إلى إنقاذ الله من الشر عبر نسبته إلى مبدأ قديم ثان ، أي إلى النفس . فالله ، بإرساله العقل إلى العالم ، يمكنه ، على الأكثر ، إصلاح النفس من أجل إضعاف أهوائها الشريرة . ولكنه لا يستطيع جعل العالم كاملًا بطريقة فورية ومباشرة . فالرازي يفهم الله على أنه كالطبيب الذي لا يمكنه تحقيق كل ما هو غير متناقض ، بل ما تكون ناجعية غير المتناقض فيه محدودة جداً . وقد نقل إلينا فخر الدين الرازي مقاطع من السجال الذي دار بين أبي بكر الرازي والكعبي ، أحد معتزلة بغداد . وبالفعل ، نلاحظ أن أبا بكر الرازي ركز معظم السجال على مسألة الشر والقدرة : إذا كان الله قادراً ، فلماذا سمح لإبليس بأن يفعل ما فعل ؟ إن القول بوجود مستقل لنفس هي مركز للشهوة ، وهو الأمر الذي تؤكده بعض توجهات القرآن ، يظل أكثر معقولية من أن يعمد الله إلى صرف المخلوقات عن الشر : " وزعم محمد بن زكريا الرازي أن كل الفلاسفة الإلهيين الذين قاموا قبل أرسطاطاليس كانوا على هذا المذهب . وزعم أيضاً أن أديان جميع الأنبياء عليهم السلام إنما تستقيم على هذا المذهب . والدليل عليه أن كل الأنبياء والرسل جاؤوا بذم الدنيا ، وتقبيح أحوالها ، والتحذير منها . ولو أن الله [ تعالى ]